محمد بن جرير الطبري
226
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيل : جاز ذلك ، لأن كل ما تَقضَّى ، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار ( 1 ) ، فهو - وإن صار بمعنى غير الحاضر - فكالحاضر عند المخاطب . وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع : " إن ذلك والله لكما قلت " ، و " هذا والله كما قلت " ، و " هو والله كما ذكرت " ، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب ، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى ، ومرة بمعنى الحاضر ، لقُرْب جوابه من كلام مخبره ، كأنه غير مُنْقَضٍ . فكذلك " ذلك " في قوله ( ذلك الكتاب ) لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ " ذلك الكتاب " " ألم " ، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا ، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك ، الكتابُ . ولذلكَ حسن وضع " ذلك " في مكان " هذا " ، لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله " ألم " من المعاني ، بعد تقضّي الخبر عنه ب " ألم " ، فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه ، كالحاضر المشار إليه ، فأخبر به ب " ذلك " لانقضائه ، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب ، وترجمهُ المفسِّرون ( 2 ) : أنه بمعنى " هذا " ، لقرب الخبر عنه من انقضائه ، فكانَ كالمشاهَد المشار إليه ب " هذا " ، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم ، وكما قال جل ذكره : ( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ ) [ سورة ص : 48 ، 49 ] فهذا ما في " ذلك " إذا عنى بها " هذا " . وقد يحتمل قوله جل ذكره ( ذلك الكتاب ) أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة ، فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنزلتها إليك ، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه . ثم ترجمه المفسرون ( 3 ) بأن معنى " ذلك " " هذا الكتاب " ،
--> ( 1 ) في المطبوعة " وقرب تقضيه " . يريد : أن ذكر ما انقضى ، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه . ( 2 ) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف . انظر ما مضى 70 تعليق 1 / 93 : 4 / ومواضع أخر . ( 3 ) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف . انظر ما مضى 70 تعليق 1 / 93 : 4 / ومواضع أخر .